أخبار فنية

عازف سوري.. يحل معادلات رياضية بعزفه على آلة الطنبور الخرساني

وهو غير راضٍ عن المشهد الثقافي في سوريا

ريما خيربك/ دمشق

يتفرّد السوري “رامي حاج حسن” بالعزف على آلة الطنبور الخرساني الكبير، بوصفه العازف الوحيد لها في سوريا، ويستطيع المهندس المعماري ابن مدينة حلب أن يحلّ المعادلات الرياضية استناداً إلى الدقة في تصنيع هذه الآلة الوترية، لاسيّما أنها تعرف بآلة الفارابي وهو العالم والفيلسوف الكبير الذي عرف وأحبّ الموسيقى ووضع فيها كتابين.

يتحدّث حاج حسن بشغف عن آلة الطنبور، وعن رحلته معها التي بدأت في العام 1995، بعد دراسة النوطة وعلم المقامات الشرقية وعلم الارتجالات وتكنيك آلة البزق والطنبور، تحوّل رامي من العزف على البزق إلى الطنبور الخرساني الكبير.

وهنا راهن عليه أستاذه في الموسيقى سيف الدين زين العابدين، لإحياء هذه الآلة في سوريا والتي ترجع أصولها إلى العهد السومري، لكنها اندثرت وانتهى بها المطاف في تركيا وإيران.

وبالفعل صنّع الأستاذ آلة لتلميذه بنفس القياسات الكلاسيكية للطنبور الكبير الخرساني، فما كان من التلميذ إلا أن أحبّ الآلة ورغب في اكتشاف المزيد عن عوالمها فسافر إلى تركيا في العام 2008 ليتلقى العلوم على يد أستاذه “مراد سالم توكاج”، وهو أهم عازف طنبور في تركيا.

مع الأستاذ مراد سالم توكاج

تأثّر حاج حسن كثيراً بعازف الطنبور العالمي “الطنبوري جميل بيك”، واستمرت لقاءاته مع الأستاذ التركي توكاج حتى العام 2011، وتتلمذ على يده بشكل رسمي، ليحصل على التكريم هناك مرتين.

الآلة الساحرة مؤلفة من ثلاثة مقاطع هي (التا والنا والبر) وتعني باللغة السومرية لغة السماء أو صوت الأجرام، ويرى رامي في الطنبور آلة كلاسيكية تبتعد عن النمط الشعبي، ومع دراسته لها تبين له كم أنّها مدروسة علمياً ورياضياً بطريقة صحيحة، وهو ما يميز الموسيقى الكلاسيكة، التي تعطي الاحساس الصرف باللحن نتيجة الاساس العلمي الصحيح.

وعن حلّ المعادلات الرياضية يوضح حاج حسن: “يمتلك الطنبور الكبير ديوانين موسيقيين، بمعنى أنّ كل ديوان موسيقي يتألف من 53 كومة، وهي جزء من 53 جزء من السلم الموسيقي (الأصوات الموسيقية)، كأصغر نسبة موسيقية تم الاعتماد عليها منذ زمن الفارابي”، ويضيف رامي شارحاً: “هناك تسعة أقسام موسيقية بين الدو والري، وبين ري والمي هناك أكثر من مي وعندما نخضعها لموضوع الفيزياء، المي الناقصة لكومة تساوي (1/5) من طول الوتر، بمعنى أنها تعادل خمس الوتر وهي نسبة (شريفة)، مثلما صوت ال(فا) هو ربع الوتر..”

 

ويعقب: “هذه التقسيمات لا تتواجد في أي آلة موسيقية باستثناء القانون التركي والطنبور الخرساني، أما آلة العود على اعتبار غياب الدساتين عن زندها يمكن سد الثغرات سماعياً، ويكون العازف على دراية كيف يعقف ليظهر الأصوات ذات النسب الشريفة”.

وللبحث قيمة كبرى في حياة العازف الشاب، فقد صرف سنوات الحصار على حلب بين أعوام 2012 و2015 على قراءة وتفنيد مجموعة من المراجع لكبار المؤلفين الموسيقيين، ليؤلف بعدها كتاباً بعنوان “أسس علم المقامات الشرقية” الذي جمعه ونضده دون أن ينشره لأسباب ربما يمكن التنبؤ بها، بأنّ النشر يجب أن يرقى إلى مستوى الجهد المبذول، ومن الكتب التي استفاد منها رامي في التأليف، كتاب الموسيقي الكبير للفارابي وهو الكتاب الذي وصفه بالصعب جداً، وفلسفة الموسيقى الشرقية لميخائيل خليل الله ويردي، أمّا السبب الذي دفعه لوضع هذا الكتاب كان غياب مرجع واضح وصحيح لفلسفة المقامات الشرقية”.

وعن الكتاب يقول رامي: ” جاء عصارة جهد خمسة اعوام، ويقع في 400 صفحة، تتضمن أمثلة موسيقة”.

يبدو أنّ حاج حسن غير راض عن المشهد الفني في سوريا، وعلّق على رحيل العازف السوري إياد عثمان، واصفاً إياه بالمبدع والخسارة الكبرى، وفي تلخيص للمشهد ضرب مثالاً بسيطاً يحكي الكثير: “اليوم يقام مهرجان البزق الثامن، وهو إهداء إلى روح الفنان “إياد عثمان”، واللافت غياب الفنان الراحل وهو عازف بزق محترف عن المهرجان بنسخه السبع السابقة، ما يطرح علامات استفهام كبرى.. وألمح رامي إلى غياب الأجر الذي يستحقه هذا المستوى من العازفين والتنافسية”.

ودعا رامي إلى أن يتصدر الأكاديميون والنخب الحقيقية للمشهد الموسيقي السوري، مؤكداً على وجودهم بكثرة، بعيداً عن إقامة مهرجانات أقرب ما تكون للهواة، وأضاف أنّ عازف الصوليست المحترف قادر أن يحي حفلاً مدته خمسون دقيقة، بمعدل اثني عشرة قطعة موسيقية”.

لحاج حسن أمنية سهلة التحقق خاصة بعد تشكيله لفرقة التريو والتي تحمل اسم (أرجوان)، وتتألف من ثلاثة آلات هي الطنبور الكبير الخرساني والناي والقانون، وبحسب رامي يستطيع هذا التريو أن يحمل طبيعة خاصة للموسيقى ونمط مختلف عن السائد، يكون قادر على تمثيل سوريا في المهرجانات العالمية لرفع اسم البلد عالياً.

وتطرّق الفنان الشاب حاج حسن إلى معضلة الطمبور الشعبي الذي يتم تقديمه على أنه مشابه تماماً للطنبور الكبير الخرساني، فقال: ” آلة الطمبور الشعبي المتواجدة بكثرة في أرياف المحافظات الشرقية، هي آلة قريبة جداً من البزق لكنها تختلف في الدوزان، ولا تمت للطنبور الكبير بأي صلة”..

في النهاية يعتقد رامي الذي راهن عليه أستاذه قبل ما يقارب العشرين عاماً، أنّ أستاذه قد كسب الرهان، فعندما تتحدّث مع الفنان رامي حاج حسن تلمس الجدية والاحترافية والاصرار على الاتقان والنجاح في أي عمل فني يقوم به، وعلى الهامش وربما ليس كذلك، من الجميل أن تعرف عن هذا الفنان شغفه منذ الطفولة بالخط العربي وإنجازه للوحات مليئة بالاتقان والجمال، إضافة لتعلمه تقنية الرسم على الماء وإنجازه لمعرض فني فردي في دار الأسد للثقافة والفنون، ضمّ خمساً وثلاثين لوحة، فهو من الأشخاص الذين يعيشون حالة التعلم بشكل دائم.

 

 

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق